الشيخ محمد رشيد رضا
159
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
آية نبوة محمد عقلية علمية وسائر آياته الكونية هذا وان ما رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة تارة وبالمرسلة أخرى من الآيات الكونية التي أكرم اللّه تعالى بها رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم هي أكثر من كل ما رواه الانجيليون وأبعد عن التأويل ، ولم يجعلها برهانا على صحة الدين ولا أمر بتلقينها للناس ذلك بأن اللّه تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها ، لان البشر قد بدؤا يدخلون في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع من تصدر عنهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون ، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم بذلك بل هو من موانعه ، فجعل حجة نبوة خاتم النبيين عين موضوع نبوته وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وعلومه وإعجازه اللفظي والمعنوي ( كما بيناه في تفسير سورة البقرة ) ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال ، إلى ما هم مستعدون له من الكمال هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية ، والنبوة العامة الباقية ، قد عبر عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر . وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » متفق عليه من حديث أبي هريرة ( رض ) وقص اللّه تعالى علينا في كتابه ان المشركين اقترحوا الآيات الكونية ( العجائب ) على رسوله فاحتج عليهم بالقرآن في جملته وبما فيه من أخبار الرسل والكتب السابقة التي لم يكن بعلمها هو ولا قومه ، وبهدايته وبعلومه وباعجازه ، وعدم استطاعة أحد ولا جماعة ولا العالم كله على الاتيان بمثله ( 17 : 88 قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) وأما ما أكرمه اللّه تعالى به من الآيات الكونية فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته بل كان من رحمة اللّه تعالى وعنايته به وبأصحابه في الشدائد كنصرهم على المعتدين عليهم من الكفار الذين يفوقونهم عددا وعددا واستعدادا بالسلاح والطعام وناهيك بغزوة بدر والنصر فيها ، ثم بغزوة الأحزاب إذ تألب المشركون واليهود